فخر الدين الرازي

280

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بالفلاح على الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأشياء مفلحاً وإن زنى وسرق وشرب الخمر ، وإذا ثبت في هذه الطائفة تحقق العفو ثبت في غيرهم ضرورة ، إذ لا قائل بالفرق . والجواب : أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر فيتساقطان ، ثم الجواب عن قول الوعيدية : أن قوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يدل على أنهم الكاملون في الفلاح ، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل في الفلاح ، ونحن نقول بموجبه ، فإنه كيف يكون كاملًا في الفلاح وهو غير جازم بالخلاص من العذاب ، بل يجوز له أن يكون خائفاً منه ، وعن الثاني : أن نفي السبب الواحد لا يقتضي نفي المسبب ، فعندنا من أسباب الفلاح عفو اللّه تعالى . والجواب عن قول المرجئة : أن وصفهم بالتقوى يكفي في نيل الثواب لأنه يتضمن اتقاء المعاصي ، واتقاء ترك الواجبات واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 6 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) اعلم أن في الآية مسائل نحوية ، ومسائل أصولية ، ونحن نأتي عليها إن شاء اللّه تعالى ، أما قوله : إِنَّ ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن إِنَّ حرف والحرف لا أصل له في العمل ، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة ومعنى ، وتلك المشابهة تقتضي كونها عاملة ، وفيه مقدمات : المقدمة الأولى : في بيان المشابهة ، واعلم أن هذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى ، أما في اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال ، ويدخلها نون الوقاية نحو إنني وكأنني ، كما يدخل على الفعل نحو : أعطاني وأكرمني ، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الاسم وهو تأكد موصوفيته بالخبر ، كما أنك إذا قلت : قام زيد ، فقولك قام أفاد حصول معنى في الاسم المقدمة الثانية : أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل وذلك ظاهر بناءً على الدوران المقدمة الثالثة : في أنها لم نصبت الاسم ورفعت الخبر ؟ وتقريره أن يقال : إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معاً ، أو تنصبهما معاً ، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر وبالعكس ، والأول باطل ، لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول إِنَّ عليهما مرفوعين ، فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر البتة ، ولأنها أعطيت عمل الفعل ، والفعل لا يرفع الاسمين فلا معنى للاشتراك والفزع لا يكون أقوى من الأصل ، والقسم الثاني : أيضاً باطل ، لأن هذا أيضاً مخالف لعمل الفعل ، / لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خلوه عما يرفعه . والقسم الثالث : أيضاً باطل ، لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع ، فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولًا بالرفع ثم في المفعول بالنصب ، فلو جعل الحرف هاهنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع . ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين القسم الرابع : وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر ، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصلية ، لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل فذلك يدل هاهنا على أن العمل لهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض . المسألة الثانية : قال البصريون : هذا الحرف ينصب الاسم ويرفع الخبر ، وقال الكوفيون لا أثر له في رفع الخبر بل هو مرتفع بما كان مرتفعاً به قبل ذلك . حجة البصريين : أن هذه الحروف تشبه الفعل مشابهة تامة على ما تقدم بيانه ، والفعل له تأثير في الرفع والنصب ، فهذه الحروف يجب أن تكون كذلك . وحجة الكوفيين من